محمد مختار المفتي.. أول طبيب عربي يعين في الكرك
محمد مختار المفتي.. أول طبيب عربي يعين في الكرك
شارع سوق الكرك اربعينيات القرن الماضي
هزاع
البراري - في زمن ما قبل التأسيس، حيث تفتقر البلاد لمعظم ما يلزم لإشادة
حياة عصرية ، وفي تلك الفترة الغارقة بالضبابية، وتحت وطأة إهمال الدولة
العثمانية المتعمد للمنطقة، كانت الحاجة ماسة لرجال أوفياء، يبحثون عن
النادر وغير المتوفر، بقصد السعي إليه وتوفيره ، وجعل الصعب سهلاً
والمستحيل ممكناً ، فلقد عم التجهيل البلاد العربية، في الثلث الأخير من
عمر الإمبراطورية العثمانية، وعانت المنطقة من قلة الكوادر من مختلف
التخصصات، لغياب دور العلم من مدارس وجامعات، واستشراء ضيق ذات اليد لدى
غالبية السكان ،وما رافق ذلك من مطاردات وغياب شبه كامل للحريات وسيادة
البلاد العربية حينها.
وسط هذا الواقع الماثل، ولد الطبيب محمد مختار المفتي، في الأول من شباط عام 1893 م في منطقة ديار بكر في شرق الأناضول، وهو من عائلة عرفت بحب العلم، فمنهم الطبيب والصيدلاني والمهندس في تلك الحقبة الصعبة، درس محمد المفتي في سنواته الأولى من تلقي العلم في أحد كتاتيب حي الشاغور الذي يتبع نفس المنطقة التي ولد فيها ، بعد ذلك انتقل لمتابعة دراسته في مكتب عنبر في دمشق، وكانت مدرسة مشهورة ، حيث كان من زملائه شكري القوتلي وصبري العسلي والدكتور عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري، وهم رجال كان لهم دور بارز في المرحلة التالية من الأحداث التي اجتاحت البلاد فيما بعد ، وفي العام 1908 م ارتحل إلى عاصمة الإمبراطورية اسطنبول في وقت أطلق عليها لقب «الرجل المريض» دلالة على الوهن و الضعف الذي نخر أوصال الدولة التركية مع الإرهاصات الأولى للحرب العالمية الأولى.
في اسطنبول التحق المفتي بدار المعلمين ،غير أن هذا المعهد لم يلب طموحه، فما لبث أن غادره قبل أن ينهي دراسته فيه، وكان ذلك عام 1911م، وكانت لديه رغبة في دراسة الهندسة ، غير أن الظرف لم يواتيه، حيث التحق بالجيش العثماني وانتقل إلى مصر للمشاركة في الحملة على قناة السويس ضد الوجود الانجليزي ، وقد عمل في الجيش برتبة ضابط في مستشفى ميداني، وكان قد استغل غنى هذه الفترة بالأحداث، وتعلم اللغتين التركية والفرنسية ، وقد كانت طموحاته في مجال تلقي العلم تتوضح أكثر بعد خدمته العسكرية ، فما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، حتى بادر محمد مختار المفتي إلى الانتساب للمعهد الطبي العربي التابع للجامعة السورية ،وكان ذلك إبان العهد الفيصلي، وتمكن من خلال اجتهاده ومواظبته من الحصول على شهادة الطب التي كانت تسمى إجازة» عليم في الطب» في 16 حزيران 1920م، وكان الرقم التسلسلي لشهادته «29» ، و انجازه هذا كان قبيل سقوط المملكة العربية في سوريا بشهرين فقط.
يعتبر المفتي من أوائل خريجي الطب من الجامعة السورية ، ولعل علاقة عائلة المفتي الآمدي بالعلم والدين أن شكلت الأرضية التي ساعدت الطبيب محمد المفتي وشقيقه الأكبر الطبيب فريد المفتي في توجهاتهم العلمية، حيث كان جدهم عمر أفندي الآمدي إمام الحنفية في دمشق ، أما ابنه طاهر- والد الطبيب محمد المفتي- فقد كان رجل علم وتولى منصب إفتاء دمشق الشام.
كان محمد مختار المفتي، أول طبيب عربي يعين في الكرك في العهد الفيصلي، عندما كانت تتبع للحكومة العربية في دمشق ، حيث عينه مدير عام الصحة في دمشق طبيباً في منطقة الكرك براتب شهري قدره «1400 « قرش مصري «مذكرات محمد المفتي».
خدم المفتي في الكرك وما جاورها مدة خمسة وأربعين عاماً منذ 1920م- 1965م ، وقد وصلها على صهوة حصان قادماً من محطة سكة حديد القطرانة ، حيث استوجبت عليه الظروف القيام بالعمل كاملاً بمفرده، في ظل قلة الإمكانيات من بنى تحتية وكوادر في زمن تعددت فيه الإصابات بالأمراض السارية، بالإضافة للجهل وقلة الدواء والمعدات المتوفرة، مما يستلزم الكثير من الصبر والخبرة ، حتى انه اضطر أحيانا لتركيب الدواء بنفسه ، وقد عرف عنه في الكرك انه كان يتنقل على الدواب في أحلك الظروف ليجول على مرضاه حتى وان تطلب ذلك أياماً يقطع خلالها مسافات كبيرة ويعاني اشد المعاناة، وقد يضطر للمبيت عند المريض للإشراف على حالته.
بعد انتهاء العهد الفيصلي، استقر المفتي في الكرك عاملاً ضمن الحكومة المحلية ، وبعد ذلك عمل في ظل حكومة إمارة شرق الأردن التي أسسها الأمير عبد الله الأول ابن الحسين، وتنقل بين الكرك والطفيلة وجرش ، استقال الطبيب المفتي عام 1926 م، وافتتح عيادة خاصة في الكرك حيث استقر وقد تزوج من فتاة كركية ، وقد أحب الكرك ولم يستطع الابتعاد عنها ، ومن خلال عيادته عمل في مختلف الاختصاصات الطبية حتى انه كان يجري بعض العمليات البسيطة ويعالج الأمراض النسائية والأطفال أيضاً ، وقد عمل أحياناً مدرساً للمواد العلمية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء.
عرف الطبيب المفتي بحبه للقراءة في كتب التاريخ والأدب، وأحب الرياضيات والهندسة والفلك، ومداومته على قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف. وقد أمضى خمسين عاماً في مزاولة مهنة الطب وذلك حتى رحيله عن الدنيا في شهر آب 1971م. وقد وري هذا الطبيب الرائد الثرى في مدينة الكرك التي أحب وعمل وعاش شبابه وشيخوخته القصيرة فيها ، وترك في ريادته الطبية أثراً في الذاكرة الوطنية لن تمحى معالمه أبداً.
hbarari54@hotmail.com
وسط هذا الواقع الماثل، ولد الطبيب محمد مختار المفتي، في الأول من شباط عام 1893 م في منطقة ديار بكر في شرق الأناضول، وهو من عائلة عرفت بحب العلم، فمنهم الطبيب والصيدلاني والمهندس في تلك الحقبة الصعبة، درس محمد المفتي في سنواته الأولى من تلقي العلم في أحد كتاتيب حي الشاغور الذي يتبع نفس المنطقة التي ولد فيها ، بعد ذلك انتقل لمتابعة دراسته في مكتب عنبر في دمشق، وكانت مدرسة مشهورة ، حيث كان من زملائه شكري القوتلي وصبري العسلي والدكتور عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري، وهم رجال كان لهم دور بارز في المرحلة التالية من الأحداث التي اجتاحت البلاد فيما بعد ، وفي العام 1908 م ارتحل إلى عاصمة الإمبراطورية اسطنبول في وقت أطلق عليها لقب «الرجل المريض» دلالة على الوهن و الضعف الذي نخر أوصال الدولة التركية مع الإرهاصات الأولى للحرب العالمية الأولى.
في اسطنبول التحق المفتي بدار المعلمين ،غير أن هذا المعهد لم يلب طموحه، فما لبث أن غادره قبل أن ينهي دراسته فيه، وكان ذلك عام 1911م، وكانت لديه رغبة في دراسة الهندسة ، غير أن الظرف لم يواتيه، حيث التحق بالجيش العثماني وانتقل إلى مصر للمشاركة في الحملة على قناة السويس ضد الوجود الانجليزي ، وقد عمل في الجيش برتبة ضابط في مستشفى ميداني، وكان قد استغل غنى هذه الفترة بالأحداث، وتعلم اللغتين التركية والفرنسية ، وقد كانت طموحاته في مجال تلقي العلم تتوضح أكثر بعد خدمته العسكرية ، فما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها، حتى بادر محمد مختار المفتي إلى الانتساب للمعهد الطبي العربي التابع للجامعة السورية ،وكان ذلك إبان العهد الفيصلي، وتمكن من خلال اجتهاده ومواظبته من الحصول على شهادة الطب التي كانت تسمى إجازة» عليم في الطب» في 16 حزيران 1920م، وكان الرقم التسلسلي لشهادته «29» ، و انجازه هذا كان قبيل سقوط المملكة العربية في سوريا بشهرين فقط.
يعتبر المفتي من أوائل خريجي الطب من الجامعة السورية ، ولعل علاقة عائلة المفتي الآمدي بالعلم والدين أن شكلت الأرضية التي ساعدت الطبيب محمد المفتي وشقيقه الأكبر الطبيب فريد المفتي في توجهاتهم العلمية، حيث كان جدهم عمر أفندي الآمدي إمام الحنفية في دمشق ، أما ابنه طاهر- والد الطبيب محمد المفتي- فقد كان رجل علم وتولى منصب إفتاء دمشق الشام.
كان محمد مختار المفتي، أول طبيب عربي يعين في الكرك في العهد الفيصلي، عندما كانت تتبع للحكومة العربية في دمشق ، حيث عينه مدير عام الصحة في دمشق طبيباً في منطقة الكرك براتب شهري قدره «1400 « قرش مصري «مذكرات محمد المفتي».
خدم المفتي في الكرك وما جاورها مدة خمسة وأربعين عاماً منذ 1920م- 1965م ، وقد وصلها على صهوة حصان قادماً من محطة سكة حديد القطرانة ، حيث استوجبت عليه الظروف القيام بالعمل كاملاً بمفرده، في ظل قلة الإمكانيات من بنى تحتية وكوادر في زمن تعددت فيه الإصابات بالأمراض السارية، بالإضافة للجهل وقلة الدواء والمعدات المتوفرة، مما يستلزم الكثير من الصبر والخبرة ، حتى انه اضطر أحيانا لتركيب الدواء بنفسه ، وقد عرف عنه في الكرك انه كان يتنقل على الدواب في أحلك الظروف ليجول على مرضاه حتى وان تطلب ذلك أياماً يقطع خلالها مسافات كبيرة ويعاني اشد المعاناة، وقد يضطر للمبيت عند المريض للإشراف على حالته.
بعد انتهاء العهد الفيصلي، استقر المفتي في الكرك عاملاً ضمن الحكومة المحلية ، وبعد ذلك عمل في ظل حكومة إمارة شرق الأردن التي أسسها الأمير عبد الله الأول ابن الحسين، وتنقل بين الكرك والطفيلة وجرش ، استقال الطبيب المفتي عام 1926 م، وافتتح عيادة خاصة في الكرك حيث استقر وقد تزوج من فتاة كركية ، وقد أحب الكرك ولم يستطع الابتعاد عنها ، ومن خلال عيادته عمل في مختلف الاختصاصات الطبية حتى انه كان يجري بعض العمليات البسيطة ويعالج الأمراض النسائية والأطفال أيضاً ، وقد عمل أحياناً مدرساً للمواد العلمية كالرياضيات والكيمياء والفيزياء.
عرف الطبيب المفتي بحبه للقراءة في كتب التاريخ والأدب، وأحب الرياضيات والهندسة والفلك، ومداومته على قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف. وقد أمضى خمسين عاماً في مزاولة مهنة الطب وذلك حتى رحيله عن الدنيا في شهر آب 1971م. وقد وري هذا الطبيب الرائد الثرى في مدينة الكرك التي أحب وعمل وعاش شبابه وشيخوخته القصيرة فيها ، وترك في ريادته الطبية أثراً في الذاكرة الوطنية لن تمحى معالمه أبداً.
hbarari54@hotmail.com
محمود العابدي.. العالم والمعلم صاحب «أوابد من التاريخ»
محمود العابدي.. العالم والمعلم صاحب «أوابد من التاريخ»
هزاع
البراري - كان من معلمي الملك الباني الحسين بن طلال، فلقد درس في الكلية
العلمية الإسلامية في العام 1948م وقد سحرته شخصية الأمير اليافع كطالب لا
يتم تمييزه عن أقرانه من الطلاب، فكان الحسين التلميذ كما يذكر العابدي ذلك
في مذكراته عنه ذكياً ومجتهداً، ومن الطلبة الذين يصرون على المشاركة
الفاعلة في الحصة التدريسية، حتى وقد تحولت علاقة الإعجاب من قبل المعلم
بتلميذه، إلى نوع من الصداقة والاحترام فيما بعد، دل على ذلك الرسائل التي
كتبها الحسين لمعلمه من مدرسة فكتوريا في مصر ومن بريطانيا أيضاً، فلقد سبق
أن قام العابدي بمساعدة الحسين في بعض الدروس الإضافية في البيت، فبقي
تقدير التلميذ لمعلمه خالدا في نفس الأمير حتى بعد أن نودي به ملكاً على
المملكة الأردنية الهاشمية.
ينتسب العابدي لقرية عصيرة الشمالية التابعة للواء نابلس في ذلك الوقت، وهي الحضن الذي ترعرعت فيه طفولته وأشتد فيه عوده، فلقد كانت نابلس في أواخر الفترة العثمانية، عامرة بالحركة التجارية والثقافية، حيث جاءت ولادته في العام 1906م، في مرحلة حاسمة من تاريخ العرب الحديث، عندما كانت المنطقة تخوض غمار النضال المطالب بالحرية والوحدة العربية، في منطقة شرق المتوسط، وبلا شك فأن نابلس بقراها وبلداتها لم تكن ببعيدة عن هذا الحراك القومي الذي مهد الطريق لانطلاق ثورة العرب الكبرى، لذا فأن العابدي كان شاهداً ومساهماً في هذا الحراك الذي اجتاح الهلال الخصيب و الحجاز.
التحق بمعهد دار المعلمين في القدس، وفي العام 1927م تخرج من المعهد وعمل مباشرة في التعليم فلقد عين مدرساً تنقل من خلال عمله هذا بين مدارس نابلس وبيت لحم وصفد، حيث استقربه الحال في صفد التي أقام فيها مدة خمس عشرة سنة، غير أن ما مرت به فلسطين من أحداث جسام مازلت تأثيراتها في تفاقم مستمر حتى اللحظة، فعدما وقعت النكبة اضطر العابدي إلى النزوح إلى الأردن ليندغم مباشرة في العمل الذي سيكرس له معظم سني عمره، فأنضم إلى الهيئة التدريسية لمدرسة الكلية العلمية الإسلامية، حيث كان الأمير الحسين بن طلال طالباً في الصف السابع، فتتاح للعابدي فرصة تاريخية ليكون له شرف تعليم هذا الأمير الذي سيصبح ملكاً بعد فترة ليست كبيرة.
عمل في الكلية العلمية حتى انتقل إلى مدارس وزارة التربية والتعليم، حيث عمل مديراً لعدة مدارس منها مدرسة رغدان الثانوية التي زارها الملك الحسين، الذي هنأ الطلبة بأستاذهم ومدير مدرستهم، وقد عمل العابدي بعد ذلك مفتشاً في وزارة التربية، و العام 1966م تم تأسيس دائرة الثقافة والفنون من قبل الشريف عبد الحميد شرف، وكانت بمثابة وزارة الثقافة، التي لم تكون موجودة في تلك الفترة، وكان ذلك تكريماً لهذا المعلم الكبير، وقد استمر العابدي في عمله هذا حتى أحيل على التقاعد في العام 1970م (وجوه وملامح، سليمان موسى)
ونظراً لخدماته الجليلة في التربية والتعليم، وفي ميدان الثقافة، تم تعيين العابدي مستشاراً ثقافياً في أمانة عمان، وقد عرف بجديته ومقدرته العالية على الإنجاز والتميز، ومصداقيته حيث قدم لوطنه وقيادته الإخلاص والولاء والعمل المنتج من خلال الأجيال التي علمها سواء في المدارس الحكومية و الخاصة، أو من تبرع بتعليمهم من الأميين من الحرفيين والأولاد الذين لم يلتحقوا بالمدارس، رغم التشكيك في إمكانية نجاح هذه التجربة التي طبقها في صفد قبل النكبة، لذا لم تخل فترة من عمره من العمل وتقديم ما هو مفيد.
كرس العابدي جزءا من حياته للكتابة، وقد قدم للمكتبة الأردنية والعربية مجموعة من الكتب ذات الفائدة العلمية و التربوية، وقد اعتمد في كتاباته على ما حصله من علوم ومعارف، من خلال قراءاته ومطالعاته التي واضب عليها، هادفاً من وراء ذلك المساعدة في التثقيف وتشجيع القراءة الواعية، هذه الكتابة شكل آخر من عمل كمعلم لمدة ثلاثين عاماً، لذا كتب في موضوعات مختلفة كالجغرافيا والآثار والتاريخ والبلدانيات وغيرها، ومن كتاباته نذكر، (جغرافية العالم العربي) الذي نشره العام 1954م، وحاز تكريماً له على انجازه وسام الاستقلال من قبل الملك الحسين بن طلال، وكتاب عن عمان (عمان في ماضيها وحاضرها) وله كتاب عن صفد وذكرياته فيها، وله كتيب عن آثار مدينة جرش، فلقد يهدف من بعض كتبه خدمة وطنه وسد النقص الذي تعاني منه المكتبة المحلية.
وقبل وفاته بأشهر أصدر كتاب (أوابد من التاريخ)، أما كتابه الأخير فقد نشره قبل وفاته بأيام وهو (من تاريخنا)، وقد كان لهذه الكتب مكانتها في تلك الفترة، رغم اتصافها بالجهد التجميعي، فلم يهدف العابدي من كتبه تقديم نفسه ككاتب أكاديمي، بقدر اهتمامه بتوفير ما يساعد طلاب العلم و القراء، ما يحتاجونه من العلوم والمعارف، ولعل أهم ما تميز به مبادراته، فهو لم يتخل عن دوره كلما أتيحت له الفرصة، فعندما أغلقت بعض المدارس بسبب المظاهرات الرافضة لحلف بغداد، تقدم العابدي وقابل الملك حسين وطلب منه التدخل لإعادة فتح هذه المدارس، وقد نجح في ذلك بشكل لافت.
هذا هو العابدي، المعلم الكبير والمثقف العميق في فكره وانتمائه، الذي لم يترجل عن حصان الإنجاز والعمل المتواصل، حتى داهمه الموت المفاجئ، في ايلول العام 1970 وكان عمره في الثانية و التسعين، لكنه يبقى حاضراً بما قدم وبما هو خالد وطيب، حافراً اسمه في سجلات الذاكرة التي لا تمحى، في ذاكرة الوطن الخالدة.
hbarari54@hotmail.com
ينتسب العابدي لقرية عصيرة الشمالية التابعة للواء نابلس في ذلك الوقت، وهي الحضن الذي ترعرعت فيه طفولته وأشتد فيه عوده، فلقد كانت نابلس في أواخر الفترة العثمانية، عامرة بالحركة التجارية والثقافية، حيث جاءت ولادته في العام 1906م، في مرحلة حاسمة من تاريخ العرب الحديث، عندما كانت المنطقة تخوض غمار النضال المطالب بالحرية والوحدة العربية، في منطقة شرق المتوسط، وبلا شك فأن نابلس بقراها وبلداتها لم تكن ببعيدة عن هذا الحراك القومي الذي مهد الطريق لانطلاق ثورة العرب الكبرى، لذا فأن العابدي كان شاهداً ومساهماً في هذا الحراك الذي اجتاح الهلال الخصيب و الحجاز.
التحق بمعهد دار المعلمين في القدس، وفي العام 1927م تخرج من المعهد وعمل مباشرة في التعليم فلقد عين مدرساً تنقل من خلال عمله هذا بين مدارس نابلس وبيت لحم وصفد، حيث استقربه الحال في صفد التي أقام فيها مدة خمس عشرة سنة، غير أن ما مرت به فلسطين من أحداث جسام مازلت تأثيراتها في تفاقم مستمر حتى اللحظة، فعدما وقعت النكبة اضطر العابدي إلى النزوح إلى الأردن ليندغم مباشرة في العمل الذي سيكرس له معظم سني عمره، فأنضم إلى الهيئة التدريسية لمدرسة الكلية العلمية الإسلامية، حيث كان الأمير الحسين بن طلال طالباً في الصف السابع، فتتاح للعابدي فرصة تاريخية ليكون له شرف تعليم هذا الأمير الذي سيصبح ملكاً بعد فترة ليست كبيرة.
عمل في الكلية العلمية حتى انتقل إلى مدارس وزارة التربية والتعليم، حيث عمل مديراً لعدة مدارس منها مدرسة رغدان الثانوية التي زارها الملك الحسين، الذي هنأ الطلبة بأستاذهم ومدير مدرستهم، وقد عمل العابدي بعد ذلك مفتشاً في وزارة التربية، و العام 1966م تم تأسيس دائرة الثقافة والفنون من قبل الشريف عبد الحميد شرف، وكانت بمثابة وزارة الثقافة، التي لم تكون موجودة في تلك الفترة، وكان ذلك تكريماً لهذا المعلم الكبير، وقد استمر العابدي في عمله هذا حتى أحيل على التقاعد في العام 1970م (وجوه وملامح، سليمان موسى)
ونظراً لخدماته الجليلة في التربية والتعليم، وفي ميدان الثقافة، تم تعيين العابدي مستشاراً ثقافياً في أمانة عمان، وقد عرف بجديته ومقدرته العالية على الإنجاز والتميز، ومصداقيته حيث قدم لوطنه وقيادته الإخلاص والولاء والعمل المنتج من خلال الأجيال التي علمها سواء في المدارس الحكومية و الخاصة، أو من تبرع بتعليمهم من الأميين من الحرفيين والأولاد الذين لم يلتحقوا بالمدارس، رغم التشكيك في إمكانية نجاح هذه التجربة التي طبقها في صفد قبل النكبة، لذا لم تخل فترة من عمره من العمل وتقديم ما هو مفيد.
كرس العابدي جزءا من حياته للكتابة، وقد قدم للمكتبة الأردنية والعربية مجموعة من الكتب ذات الفائدة العلمية و التربوية، وقد اعتمد في كتاباته على ما حصله من علوم ومعارف، من خلال قراءاته ومطالعاته التي واضب عليها، هادفاً من وراء ذلك المساعدة في التثقيف وتشجيع القراءة الواعية، هذه الكتابة شكل آخر من عمل كمعلم لمدة ثلاثين عاماً، لذا كتب في موضوعات مختلفة كالجغرافيا والآثار والتاريخ والبلدانيات وغيرها، ومن كتاباته نذكر، (جغرافية العالم العربي) الذي نشره العام 1954م، وحاز تكريماً له على انجازه وسام الاستقلال من قبل الملك الحسين بن طلال، وكتاب عن عمان (عمان في ماضيها وحاضرها) وله كتاب عن صفد وذكرياته فيها، وله كتيب عن آثار مدينة جرش، فلقد يهدف من بعض كتبه خدمة وطنه وسد النقص الذي تعاني منه المكتبة المحلية.
وقبل وفاته بأشهر أصدر كتاب (أوابد من التاريخ)، أما كتابه الأخير فقد نشره قبل وفاته بأيام وهو (من تاريخنا)، وقد كان لهذه الكتب مكانتها في تلك الفترة، رغم اتصافها بالجهد التجميعي، فلم يهدف العابدي من كتبه تقديم نفسه ككاتب أكاديمي، بقدر اهتمامه بتوفير ما يساعد طلاب العلم و القراء، ما يحتاجونه من العلوم والمعارف، ولعل أهم ما تميز به مبادراته، فهو لم يتخل عن دوره كلما أتيحت له الفرصة، فعندما أغلقت بعض المدارس بسبب المظاهرات الرافضة لحلف بغداد، تقدم العابدي وقابل الملك حسين وطلب منه التدخل لإعادة فتح هذه المدارس، وقد نجح في ذلك بشكل لافت.
هذا هو العابدي، المعلم الكبير والمثقف العميق في فكره وانتمائه، الذي لم يترجل عن حصان الإنجاز والعمل المتواصل، حتى داهمه الموت المفاجئ، في ايلول العام 1970 وكان عمره في الثانية و التسعين، لكنه يبقى حاضراً بما قدم وبما هو خالد وطيب، حافراً اسمه في سجلات الذاكرة التي لا تمحى، في ذاكرة الوطن الخالدة.
hbarari54@hotmail.com




.jpg)
.jpg)
.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)


%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)







%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)







%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)
%E2%80%AC+%E2%80%AB%E2%80%AC.jpg)